حيدر حب الله

569

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

مقارنة الروايات الطبيّة الموجودة في مصادر الحديث مع الطب القديم ومصنّفاته مما أتى من اليونان وغيرهم لا تدع مجالا للشك في أنّها اقتباس ، أريد عبره إضفاء صورة شرعية دينية على قضايا طبية بشرية ، فالكلمات والنصوص متشابهة « 1 » . ولكي يرسم لنا البهبودي التطوّر التاريخي لظاهرة الوضع ، كأنه يجيب بها عن سؤال : أين كان العلماء والنقّاد والفقهاء و . . ؟ ! يؤكّد أنّ أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري كان من أوائل من واجه ظاهرة الوضع في الحديث في مدينة قم في القرن الثالث الهجري ، وأنّ تشدّد الأشعري أدّى إلى حركة انسحاب وتقهقر ، سرعان ما تلاشت - حركة الانسحاب - باختراع روايات قاعدة التسامح في أدلّة السنن ، والتي تؤكد أنّ من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له أجره حتى لو لم يقله النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، مما أعاد حركة الوضع وشرعنها ، وكفّ معاول النقد التي كان يبديها النقّاد والمتحفظون عن أن تمس روايات العبادة والزهد والأخلاق و . . . « 2 » . يقول البهبودي : « وكلّما قام النقّاد والمحققون لردّ هذه العادية ، وكشف هذه الأزمة الضالّة ، لم ينجح كفاحهم وقيامهم في وجه المبطلين ، وشاع أسطورات الزنادقة ، وترّهات الغلاة شيئا فشيئا في جميع المعارف وشتّى مسائل الدين القويم » « 3 » . لكن هذا لم يوقف حركة النقد والمواجهة ، فقد رأى البهبودي أنّ الشيخ المفيد ( 413 ه ) قد رفض أخبار الآحاد ؛ ليضع حدّا للحال القائمة ، بيد أنّه لم ينجح مع الأسف ، كما سعى الغضائري ( 411 ه ) بالقيام بنقد معمّق للنسخ والمخطوطات ، لتمييز سليمها عن باطلها ، لكن القوم هبّوا في وجهه ، واتّهموه بمخالفة السلف ، فطمروه وأجهزوا عليه « 4 » . وبعده ، لم يتوان النجاشي عن نقد الأصول والمصادر والرجال ، بيد أنّه كان محتاطا ، كأنّه تعلّم من الغضائري أن لا يواجه هذا المدّ الكبير ، ولذلك لم يعرف الشيعة كتابه إلّا بعد وفاته « 5 » . ويبدو الحال قد استسلم لذلك الفريق ، فلزم - عند البهبودي - القيام ، يقول في نصّ دالّ : « فعلى ذلك ، اللازم على كلّ محقّق يريد إزاحة الباطل عن حريم الحقّ ، والمحتوم على كلّ ناقد أوجب على نفسه إماتة البدع عن صحائف المذهب ، أن يسبر الجوامع الحديثية وينقدها على هذا الخطّة الغنية المباركة ، لا يخاف لومة لائم في ذات اللّه .

--> ( 1 ) - البهبودي ، حوار صحيفة كيهان فرهنگي ، مصدر سابق : 7 . ( 2 ) - البهبودي ، صحيح الكافي 1 : ح ( المقدّمة ) . ( 3 ) - المصدر نفسه : ط . ( 4 ) - المصدر نفسه : ط - ي . ( 5 ) - المصدر نفسه : يا ؛ وانظر الملحق رقم ( 1 ) من هذا الكتاب .